يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
514
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
رضي اللّه عنهم . نقلت هذا كله من كتاب محمد بن شبل رحمه اللّه . وممن توارى وفرّ إمام الخلفاء سفيان الثوري رضي اللّه عنه ، وكان فراره من أبي جعفر المنصور ، فر إلى مكة منه ، فدخل ومنادي أبي جعفر ينادي : ألا من آوى سفيان الثوري فقد برئت منه الذمة ، فمال سفيان إلى بعض أزقة مكة ، فرفع يديه نحو السماء وهو يقول : يا رب حرمك وأمنك يأمن فيه الطير والوحش ، سفيان لا يأمن فيه ، فبينما هو يطوف بالبيت إذا به في الطواف معه ، فقيل له : يا أمير المؤمنين هذا الثوري الذي تجعل فيه الجعائل ، فلما حاذاه ضرب على منكبه ، فحس به ، فقال له : أتعرفني ؟ قال : ما أعرفك ولكني أحسست في ضربتك ، إنها ضربة جبار ، قال له أبو جعفر : ما منعك أن ترفع إلينا ظلامات الناس وتعظني فأفعل وأفعل ، فقال له سفيان : يا أمير المؤمنين علمت أنك رجل تقرأ القرآن ، وكل من يقرأ القرآن ولم يتعظ به لا يتعظ بشيء أبدا . قال : فكان مالك رحمه اللّه يعجبه هذا الكلام من الثوري ، ويراه وجه العمل في ذلك . قال أبو عمر بن عمر الشيباني : ودخل سفيان الثوري على المهدي ، فالتفت إليه الحاجب وقال له : يرسل إليك أمير المؤمنين وتأبى أن تأتيه ما أولاك ، كأنه يتهدده ، فقال : اسكت يا هامان فقال : يا أمير المؤمنين ألا تسمع ما يستقبلني به عندك ؟ فقال له : ويلك اسكت ، إذا أنت عنده هامان فما أنا عنده . فجلس الثوري عنده ساعة ثم قال : إني أردت البول ، فقال له المهدي : على أن ترجع ، فقال له : نعم . فمضى الثوري ثم رجع فأخذ نعليه ، فاستبطأه المهدي فقال : يا قوم أما تخشون أن تسقط السماء علينا كسفا ؟ يا قوم أما تخشون أن تنشق الأرض من تحتنا فنذهب فيها سفالا ؟ قيل له : ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : مثل الثوري يكذب ، فقيل له : إنه قد رجع فأخذ نعليه ومضى ، فقال : خدعنا واللّه . قال : ومات الثوري متواريا عند حماد بن زيد بالبصرة فغسله حماد وأخرجه إلى باب المسجد ، فقالوا : جنازة الثوري ، فذهب به إلى المقابر في نحو عشرة أو خمسة أعشار ، قال حماد : فو اللّه ما بلغنا المقابر حتى صرنا في نحو من عشرة آلاف رقبة ، فأقام الرجال والنساء على قبره ثلاثة أيام يصلون عليه رضي اللّه عنه ، ومات رحمه اللّه وهو ابن أربع وستين سنة . وحدّث أحمد بن عبيد في أخبار الحجاج أنه لما حضره الموت قال : أسندوني ، وأذن للناس فدخلوا عليه ، فذكر الموت وكربته واللحد ووحشته والدنيا وزوالها والآخرة وإقبالها ، ثم أنشأ يقول : إن ذنبي وزن السماوات والأر * ض وظني بخالقي أن يحابي فلئن منّ بالرضى فهو ظني * ولئن مرّ في الكتاب عذابي